هل يمنع الغل دخول الجنة ؟
بقلم :شيرين محمود عبد العزيز خلف
هل يمنع الغل
قال تعالي (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ )(الحجر ٤٧) وفي سورة الأعراف {وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (الأعراف ٤٣)
إذ الغل في الدنيا لا يمنع من دخول الجنة في الآخرة.إذ لا تخلو العلاقات في الدنيا من حدوث ضغينة أو غل في صدور البعض تجاه الآخرين . وهو شعور دنيوي يعتري بعض الأشخاص خاصة عند حدوث نزاع .والتعبير بالنزع تعبيرُّ قويُّ وهو بمعني القلع والخلع وتبديل الشيء بآخر لأن الله تعالي أمرنا بسلامة القلب (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(الشعراء٨٩/٨٨)وأيضا لفظ متقابلين في سورة الحجر أي غير معرض أحد عن أحد وهو دليل علي الصفاء والنقاء. فيجب علينا أن نجاهد أنفسنا في تطهير صدورنا من الشحناء والبغضاء والغل وآفات الصدور . وأن نتمني الخير لبعضنا البعض وأن نتذكر حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي رواه أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه[1]. ( الحديث الأول مما أورده الإمام النووي -رحمه الله- في باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم،.)
وأن نعين بعضنا البعض بدلا من أن نترصد لبعض الأخطاء والزلات التي توغر الصدور .فلا داعي للعداوة والبغضاء والحسد.
فالحسد ( تمني زوال نعم الله عند الغير )أمر مذموم وتم ذكره مرتبطا بالكفر (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )(البقرة ١٠٩)
وجاء الحسد مرتبطا باللعن في سوره النساء( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا )(النساء ٥٤:٥٢)
ولذا جاء أمر الاستعاذة من الحسد ووصفه بالشر (﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾( الفلق:٥) .
فينبغي علي المسلم أن يطهر نفسه وأن يدعو لأخيه بالبركة لتجنب هذه الآفة البغيضة المذمومة وأن يحرص علي ما حثنا عليه الدين من سلامة الصدر وأن يوقن أن الرزق والمنع والعطاء بيد الله فلا أحد يأخذ رزق أحد . فلا يتمني زوال نعمة أحد بل يحرص علي الغبطة (تمني نعمه عند الغير دون زوالها ) وليكن لنا في مريم وزكريا عليهما السلام الاسوة الحسنة﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنࣲ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنࣰا وَكَفَّلَهَا زَكَرِیَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَیۡهَا زَكَرِیَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقࣰاۖ قَالَ یَـٰمَرۡیَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾(ال عمران ٣٨/٣٧)
ولندرك تماما أن الله مطلع علي ما في قلوبنا حتي وإن أضمر لنا أحد عكس ما يظهر ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )(الملك ١٣)
فلا نحزن عندما نصدم في رد فعل البعض لأن عوض الله هو المكافأة لنا علي نقاء السريرة فلا يخيب لنا رجاء ولا ظن .ولا نندم ابدا علي خير قدمناة لأحد وقوبل بنكران أو جفاء أو بعكس ما قدمنا ( إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(الأنفال ٧٠)
فليكن التعامل ابتغاء لمرضاة الله وأن لا يظلم أحد آخر غيره أو يبغي عليه أو يغتصب حقا ليس له . فيتحقق رضا الله أولا بصرف النظر عن رضا البشر فالناس كما يقال عنهم لا تعدل ولا تزن فلا نهتم بما يقال عنا أو لنا وليكن هدفنا المعاملة ابتغاء مرضاة الله
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا) (الإسراء ٨٤)
كما ينبغي علي الفرد ألا يستكثر نعمه أنعم الله بها علي أحد غيره . فالله هو الواهب العاطي الرزاق (وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (الأنعام ٥٣) فكما قسم الله الأرزاق كذلك الأخلاق هي أيضا أرزاق مقسمة . فيجب أن نحسن أخلاقنا كما نرغب في تحسين دخلنا بدون كلل وملل .ولنجاهد أنفسنا ضد الأهواء والاغواء ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى))(النازعات ٤١/٤٠)
وعلينا بالدعاء
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر ١٠)





